عمر السهروردي

562

عوارف المعارف

فقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد ذكر الأهل والمال والماء البارد ، معناه استئصال عروق المحبة بمحبة اللّه تعالى ، حتى يكون حب اللّه تعالى غالبا ، فيحب اللّه تعالى بقلبه وروحه وكليته ، حتى يكون حب اللّه تعالى أغلب في الطبع أيضا والجبلة من حب الماء البارد ، وهذا يكون حبا صافيا لخواص تنغمر به وبنوره نار الطبع والجبلة ، وهذا يكون حب الذات عن مشاهدة بعكوف الروح وخلوصه إلى مواطن القرب . قال الواسطي في قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته ، فالهاء راجعه إلى الذات دون النعوت والصفات . وقال بعضهم : المحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة ، فإذا لم يكن ذلك لم يكن حبه فيه حقيقة . فإذا الحب حبان : حب عام ، وحب خاص ، فالحب العام مفسر بامتثال الأمر ، وربما كان حبا من معدن العلم بالآلاء والنعماء ، وهذا الحب مخرجه من المصفات . وقد ذكر جمع من المشايخ الحب في المقامات ، فيكون النظر إلى هذا الحب العام الذي يكون لكسب العبد في مدخل . وأما الحب الخاص فهو حب الذات عن مطالعة الروح ، وهو الحب الذي فيه السكرات وهو الاصطناع من اللّه الكريم لعبده واصطفاؤه إياه ، وهذا الحب يكون من الأحوال ، لأنه محض موهبة ليس للكسب فيه مدخل ، وهو مفهوم في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( ( أحب إلى من الماء البارد ) ) لأنه كلام عن وجدان روح تلتذ بحب الذات . وهذا الحب روح ، والحب الذي يظهر عن مطالعة الصفات ويطلع من مطالع الإيمان قالب هذا الروح . ولما صحت محبتهم هذه أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . . . « 1 »

--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 54 .